دلت الاكتشافات التي توصلت إليها التنقيبات الأثرية في منطقة حوران على أن هذه المنطقة عرفت صناعة الفخار واستخداماته المتعددة منذ 5 آلاف عام.
وتميز فن صناعة الفخار خلال تلك الفترة الزمنية بمجاراته لكل التطورات التي مرت على صناعة الفخار بشكل عام إذ اكتشفت أعداد كبيرة من القطع الفخارية التي عرفت بالفخار الأسود تحمل مدلولات قوية على وجود تواصل حضاري بين إنسان حوران وإنسان وادي النيل.
وقد كشفت بعثات التنقيب المحلية والأجنبية أن صناعة الفخار في حوران بدأت قبل 3 آلاف عام قبل الميلاد وتنوعت أحجام القطع الفخارية كما تعددت استخداماتها لكن أهمها تلك التي وجدت في المدافن وتعود لعصر البرونز القديم الممتد من 3100-2100 قبل الميلاد إذ تشير بشكل أو بآخر إلى أن إنسان حوران قبل أن يعرف الأديان السماوية اعتقد بالحياة الأخرى التي سيحياها بعد الموت ما يستدعي منه تامين مستلزمات هذه الحياة بأدوات بسيطة كتلك التي يستخدمها في الطعام.
وقال الآثاري ياسر أبو نقطة لوكالة سانا إن الاكتشافات الفخارية في حوران تعود للعصور البرونزية قديمها وأوسطها وحديثها وعصر الحديد والعصور الكلاسيكية الهلنستية النبطية الرومانية البيزنطية والعصر الإسلامي بتقسيماته.
وبين أن أهم النماذج الفخارية التي اكتشفت في هذه المنطقة هي الاسرجة وقناديل الإضاءة والأواني متعددة الاستخدامات والأحجام والأطباق والجرار وأواني الشرب وجرار تخزين الحبوب والمياه وقوارير صغيرة للتجميل وقد ظهرت هذه النماذج في المسمية واليادودة وتل الاشعري وقرفا وعلما.
ولفت أبو نقطة إلى انه تم اكتشاف العديد من الأشكال المتنوعة التي تقدم ملامح صناعة الفخار ودرجة الإتقان التي وصل إليها الإنسان والتقنيات الجديدة التي ابتكرها نتيجة التمازج الحضاري وتطور العلوم بشكل عام ودرجة الرفاهية التي جاءت نتيجة الرخاء الاقتصادي الذي عاشته حوران عبر آلاف السنين.
وأوضح أن ملامح الفخار في العصر البرونزي تجلت بوجود شوائب وبعض القطع الحجرية إضافة إلى كونه سميكا نوعا ما ومع تطور هذه الصناعة بدأ انسان حوران بالتركيز على نوع الخلطة الغضارية وتنقيتها بشكل كبير من الشوائب وشيها بدرجات حرارة عالية وقد عثر في مدافن تل شهاب على نماذج فخارية تعود إلى عصر البرونز توافق هذه المواصفات وهي للاستخدامات البسيطة كالطعام والشراب إضافة للملاعق البرونزية.
وبين أن الفخار الحوراني أصبح في العصر الروماني جميلاً ومتقناً إذ استخدمت القوالب في عملية التصنيع سواء قوالب الحجر أم العظم أم الخشب كما ظهر الفخار الأحمر ذو الإبريق المعدني السيغالاتا وبدأ الإنسان بالاعتناء بالخطوط والنقوش والأشكال التزينية النباتية والحيوانية كما ظهر الفخار الأسود الذي ينتج عن استخدام خلطة ترابية سوداء أو من شي الفخار بأفران مغلقة كثيفة الدخان.
وأشار إلى ظهور تقنية جديدة في العصر الإسلامي تتمثل بطلاء الفخار بأكاسيد المعادن إضافة إلى الحصول على الفخار المزجزج بتنزيل أكثر من لون على الآنية الواحدة.
كما تميز العصر الإسلامي بكل فتراته بالاستفادة من تطور العلوم والعصور السابقة والتجارة والفتوحات فتأثر الفخار بالفنون في الصين وإيران وظهر الخزف الذي تمتع بالشكل الجمالي وسهولة التنظيف.
وبلغ عدد القطع الفخارية المكتشفة في دائرة آثار درعا نحو 4200 قطعة منها 1200 قطعة اكتشفت في موسم التنقيب الحالي في مدافن تل الاشعري التي تعود إلى عصر البرونز الوسيط الممتدة من 2100 إلى 1600 قبل الميلاد وجميع المكتشفات هي عبارة عن قطع للاستخدامات المنزلية وحفظ الزيوت وخاصة الطبية منها ما يدل على تطور العلوم في ذلك العصر.
وقال ايهم الزعبي امين متحف درعا الوطني ان حوران تميزت بالفخار الأسود المزخرف بالوخز بالإبر المكتشف في تلال الأشعري وشهاب وعشترة والشيخ سعد ومنطقة درعا البلد مبينا أن هذا النوع من الفخار ينسب إلى منطقة سيناء حيث أشارت الدراسات الأولية إلى أن منطقة سيناء كانت المصدر الرئيس لهذا النوع من الفخار لكن الدراسات الحديثة تفيد باحتمالات أن تكون حوران المصدر للفخار الاسود الموخوز بالابر ما يؤكد وجود تواصل حضاري سواء بالتجارة او الغزوات بين المنطقتين وخاصة ان الاكتشافات أثبتت قيام شكل من أشكال الحضارة الفرعونية في بعض مناطق حوران.
وأضاف ان بعثات التنقيب عثرت في منطقة الشيخ سعد في موسم التنقيب الماضي على فخار هلينستي اسود متقن سطحه أملس تماما يستخدم للزينة وهو دليل على فترة رخاء اقتصادي كبير.
وأوضح أمين متحف درعا أن الفخار قدم ملامح هامة لتطور العلوم وفكر الإنسان الديني والاقتصادي حيث عمد إنسان حوران إلى استخدام جرار الفخار الكبيرة في دفن الموتى وخاصة الأطفال كما عمل على حماية نشاطه التجاري من استيراد وتصدير فعرف حماية الملكية على طريقته من خلال استخدام أختام مسطحة او اسطوانية ووضع رسوما خاصة بكل تاجر على هذه الاختام فوق اغطية جرار التصدير لحمايتها من السرقة او الضياع لافتا إلى ان منطقة البلد في مدينة درعا شهدت علاقات تجارية بين حوران وقبرص إذ عثر فيها على قطع فخارية بيضاء اللون رقيقة الجدران مزخرفة بخطوط حمراء دائرية تبين انها قبرصية المنشأ.
وأضاف ان طبيعة حوران قدمت لصانعي الفخار المواد الأولية فلم يحتاجوا لمواد مستوردة من بيئات أخرى كونها تتمتع بتنوع التربة من حمراء او صفراء او سوداء لافتا إلى ان الانباط اشتهروا بصناعة الفخار المسمى بقشرة البيض وهو رقيق متقن اما انسان تل عشترة فقد اهتم باتقان صناعة الفخار وهو مدلول الرفاهية والاستقرار.
كما كانت حاضرة الانباط بصرى واحدى مدن الديكابولس على موعد مع مجموعة نادرة ومتميزة من الفخار التي تشهد على الاهمية السياسية والتجارية لهذه المدينة حسب ايمان المفعلاني امينة متحف بصرى التي أشارت إلى ان المتحف يضم 435 قطعة فخارية تعود لعصور البرونز الحديث والحديد والهلنستي والنبطي والروماني والبيزنطي والإسلامي وتتنوع بين الاسرجة والجرار والاباريق والاواني المنزلية والمدامع والقوارير والقنابل اليدوية الايوبية.
ولفتت إلى ان اهم المكتشفات هي الاسرجة الفخارية في بصرى التي تزخر بها المدافن اذ كانت تستخدم لانارة مدفن موتى العائلة الواحدة ما يشير إلى ان التقليد المتبع في تلك الفترة التاريخية في بصرى دفن اكثر من متوفى في المدفن الواحد اضافة إلى احتواء المدافن على بعض الاواني المنزلية التي تدل على الطقوس الجنائزية المتبعة.
وبينت المفعلاني ان البعثات عثرت على قطع فخارية للاستعمال اليومي في السوق الارضية والمسرح الموسيقي والحمامات الرومانية كما تدل الاسرجة العائدة إلى الفترة الاسلامية على الاهتمام الكبير بالتزجيج والزخرفة بالرسوم الهندسية
سانا - درعا 25/7/2010
|